الأربعاء, 05 كانون1/ديسمبر 2018 12:16

إشراقات من سورة طه

بدأ الله سبحانه سورة طه بتوجيه الخطاب لنبيه صلى الله عليه  (طه، ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى) ليؤكد للحبيب عليه السلام أنه لم ينزل عليه هذا القرآن ليكون سببا في تعاسته وشقائه او ليشقى به الناس من بعده. وإنما أنزله عليه ليكون رحمة له ولمن بعده، أنزل عليه القرآن ليتذوق معنى السعادة الحقيقية التي تكون في قرب الله وفي السير على طريقه المستقيم. (إلا تذكرة لمن يخشى) فهو ذكرى لكل ذي حس مرهف وفطرة سليمة يستجيب لنداء ربه جل وعلا باحثا عن سعادة حقيقية توصله إلى السعادة الأبدية في جنة عرضها السماوات والأرض. فالحقيقة التي تقرها السورة أن الله لم يخلقنا ويلزمنا بالعبادة لنشقى في هذه الحياة (ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى) وإنما خلقنا وجعل لنا في العبادة لذة وسعادة. فتأمل أيها المؤمن حياتك بدون صلاة أي طعم لها، أو حياتك بدون قرآن تتلوه كيف كنت ستتحملها.

إن من نعم الله علينا أن أكرمنا بعبادته والسجود له وتلاوة كتابه، لتسمو هذه الروح وتحلق بعيدا عن كل ما يعكر صفوها وصفاءها من متاع الدنيا وهمومها، فتسطع أنوار الإيمان لتحيطها من كل جانب وتحررها من قيود الذنوب والمعاصي، فتفسح لها المجال للانطلاق بهمة عالية وإيمان راسخ لتؤدي أدوارها التي خلقت من أجلها، وواحدة من هذه الأدوار (الذكرى) أي الدعوة إلى (الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى).

وتأتي قصة موسى عليه السلام لتؤكد هذه المعاني وتزيد المؤمنين ثباتا على الحق وإصرارا على تبليغ كلمة الله. فيقول عز وجل مخاطبا موسى ( وإنا اخترتك ) فالله هو الذي يختار من يبلغ رسالته، فاختار موسى عليه السلام ليقوم بهذه المهمة العظيمة وهذا التكليف الذي زاده رفعة وشرفا. والسؤال الذي يطرحه كل عاقل على نفسه بعد هذه الآية هل أنا ممن اختارهم الباري جل في علاه لأنال شرف التبليغ عنه بعد الأنبياء والرسل؟ وما هي المواصفات التي تجعل مني الشخص المناسب لنيل هذا الشرف؟

 (فاستمع لما يوحى) فحسن الاستماع يقتضي سكن الجوارح وهدوء النفس لتعي وتستوعب جيدا ما تسمعه (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) سورة الأعراف 204، وهي قاعدة ذهبية يبينها الله سبحانه لمن رغب في فهم كلامه وتدبر معانيه، والقاعدة الأخرى أن ينصرف له وحده دون سواه توحيدا وعبادة (إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري).

وبعد أن أراه الله من آياته الكبرى (لنريك من آياتنا الكبرى) ليربط على قلبه ويقوي عزيمته وإيمانه أتى التكليف (إذهب إلى فرعون انه طغى) وما أعظم نبي الله موسى عليه السلام فقد أذعن لأمر ربه ولم يجادله معلنا بذلك الطاعة والامتثال له سبحانه دون أي اعتراض من بعد أن رأى آيات ربه رأي العين  (قلنا القها يا موسى)، رأى قدرة الله تتجلى في اصغر وأتفه شيء يملكه "العصى" التي تحولت بقدرة الواحد الأحد إلى خلق ينبض بالحياة (فالقاها فإذا هي حية تسعى) لتعود إلى طبيعتها بعد أن تسلب الحياة من جديد (قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى) فسبحان من بيده ملكوت كل شيء يحيي ويميت.

وليزيده ربه يقينا يطلب منه (واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء) تخرج بيضاء (آية أخرى) إلى جانب معجزة العصا (لنريك من آياتنا الكبرى)، فقد شاهد موسى بأم عينه هذه الآيات الربانية الملموسة التي حباه الله بها ليطمئنه ويهيأه للمهمة الكبيرة التي سيكلف بها (اذهب إلى فرعون إنه طغى). ويلجأ موسى إلى ربه متذللا سائلا أن يزيده استقامة ويتفضل عليه بما يعينه على أداء الرسالة  (قال ربي اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي) ويطمع موسى في كرم الله أكثر فيسأل (واجعلي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري) درس جليل نتعلمه منه عليه السلام " التعاون على نشر الخير" فكل واحد سيكمل الآخر وسيشد عضد أخيه ليبلغا الهدف معا ( كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا إنك كنت بنا بصيرا). فما أحوجنا اليوم لفهم هذا الدرس واستيعابه والعمل به، فكلنا ضعيف بنفسه قوي بإخوانه، وما دمنا نسير في لحمة يشد بعضنا على يد البعض الآخر فنحن على طريق الأنبياء.

فيأتي التكليف لهما معا للذهاب إلى الطاغية فرعون (اذهبا إلى فرعون انه طغى)، ولكنه سبحانه رغم علمه بعظيم طغيان فرعون وتجبره وادعائه الربوبية إلا أنه أمرهما باللين والرحمة (فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى)  فكيف يتجرأ بعضنا اليوم على استعمال أساليب فظة في الدعوة لم يقرها الله عز وجل حتى مع الطاغية فرعون، فهو سبحانه الرحمان الرحيم بعباده حتى العصاة منهم. يقول عز وجل في سورة آل عمران مخاطبا رسول الله صلى الله عليه وسلم (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك...). فإذا كان هذا هو المنهج القرآني الصحيح فكيف ينصب بعضنا اليوم أنفسهم قضاة لا دعاة مع أناس أسدل الجهل بغشاوته على أعينهم.

ويأبى فرعون الامتثال لأمر ربه ( ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى) ويزداد تعنتا وتكبرا ويجمع سحرته أمام أعين الناس مستعرضا قوته ومدعيا قدرته على هزيمة موسى عليه السلام.

(قالوا يا موسى إما أن تلقي أو نكون أول من ألقى، قال بل ألقوا، فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى) فالباطل قد يكون له من الحجج ما يربك الناظر فيه (فأوجس في نفسه خيفة موسى، قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى)، إنك أنت الأعلى بيقينك بالله وثقتك فيه وحسن توكلك عليه واتباعك لأوامره، هذا سر من أراد أن ينتصر بحقه على باطلهم فلا يكفي أن تكون على الحق ولكن لابد من الإيمان والاجتهاد والتضحية. (وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى) و "ألق " حركة تحتاج لتدريب، لعمل متواصل يمكنك من امتلاك المهارة في الأداء، فمواجهة الباطل ومواجهة السحر، سحر الكلمة وسحر الحجة الباطلة يتطلب مهارة والمهارة تتطلب علما وحكمة.

الزهرة الكرش